10 كانون2 2017

منظمة أطباء بلا حدود - تقديم يد المساعدة للمتضررين نفسياً في الموصل

أجبرت الهجمات العسكرية الأخيرة على الموصل، التي شُنّت بهدف استعادة السيطرة على المدينة، أولئك الذين عاصروا تلك الأجواء الصادمة على الهرب من المدينة والقرى القريبة منها. وفي هذا السياق يقول مدير قسم الصحة النفسية في منظمة أطباء بلا حدود في أربيل في العراق بلال بدير: "لقد تحملوا عامين من احتلال التنظيم المسمى بالدولة الإسلامية لقراهم، والغارات الجوية والقتال بين القوات العراقية النظامية والتنظيم، وقد فرُّوا من بيوتهم لينجوا بحياتهم ليصلوا إلى مخيمٍ للنازحين. لقد غادروا بيوتهم في لحظات معدودة دون أن يتمكنوا من إحضار أي شيء، والآن أصبحت حياتهم محصورة في هذا المعسكر".

يعيش الآن حوالي 30,000 شخص في مخيمي حسن شام والخازر، 35 كيلومتراً شرقي الموصل. ويساعد فريق الصحة النفسية التابع لمنظمة أطباء بلا حدود حوالي 45 شخصاً يومياً. وقد عَمِلت تلك الفرق التي يتضمن كل منها طبيباً نفسياً وأخصائياً نفسياً وأخصائياً اجتماعياً مع اللاجئين السوريين في شمال العراق في عام 2013. ثم بدأوا في تقديم المساعدة للعراقيين النازحين الذين هربوا من الموصل مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المنطقة. وهذا العام، ومع تصاعد نسبة النازحين في محافظة نينوى وبدء القتال لاستعادة السيطرة على الموصل في منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تشهد الفرق التابعة لمنظمة أطباء بلا حدود حالات تعاني من اضطرابات أكثر حدة.

ومنذ شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تشهد المنظمة أعداداً من المرضى الذين تأثروا بشدة بالنزاع، ويخبرنا الكثير منهم أنهم قد شاهدوا عمليات إعدام عامة في الأسواق، ورأوا جثث ضحايا عمليات القتل معلقةً على الجسور لأيام عديدة، إضافة إلى عمليات القتل بالرجم، وقطع الرؤوس، وعمليات التعذيب، وشتى أنواع العقاب بالإيذاء البدني؛ كمٌّ كبيرٌ من العنف تسبَّب في الإيذاء النفسي العميق للكثير منهم. 

وتجدر الإشارة إلى أن الأطباء النفسيون التابعون للمنظمة يقولون إن الكثير من القصص التي يرويها لهم المرضى صادمة ويصعب تصديقها، مثل قصة الأب الذي أُجبر على قتل ابنه؛ لأنه تلفظ بكلمة بذيئة. ولكن، تثبت صحة تلك القصص الشنيعة مع تكرار الكثيرين لنفس الأحداث. ويقابل الأطباء أيضاً بعض المرضى الذين لم يفكروا يوماً بالاستعانة بطبيب نفسي قبل ذلك، ولكن الأحداث دفعتهم إلى ذلك.

وثمة سبب آخر من أسباب معاناة النازحين خلال الأشهر الأخيرة؛ فقد شهدوا على القتال الذي وقع في قُراهم والأحياء المجاورة، وشاهدوا موت أصدقائهم وأقاربهم، كإحدى السيدات التي أتت إلينا ومعها طفل صغير يبلغ عمره 10 أعوام. أخبرتنا أن طفلة صديقتها قُتِلت عندما سقطت قذيفة على منزلها، لقد رأت بعينيها جثمان الطفلة وكذلك ابنها الذي كان صديقاً لهذه الطفلة. هرب هؤلاء النازحون من الموصل والقرى المجاورة باحثين عن الأمان في المخيمات. ومع ذلك، ما زالوا مذعورين ويعيشون في خوف ورعب خشية التعرض مرةً أخرى إلى العنف الذي يشنه تنظيم الدولة الإسلامية. 

يقدم فريق منظمة أطباء بلا حدود -الذي يوفر الرعاية الطبية في مخيمي حسن شام والخازر- استشارات طبية للمرضى الذين يعانون من اكتئاب حاد أو قلق أو اضطرابات نفسية حادة نتيجة التفاعل مع الأحداث المؤلمة أو اضطرابات ما بعد الصدمة. ويتابع الفريق أيضاً المرضى الذين يعانون بالفعل -ومن قبل اضطرارهم إلى الفرار- من أمراض مزمنة مثل الصرع والذُّهان، ويحتاجون إلى استئناف العلاج. والأهم من ذلك، يُحال المرضى التابعون لفريق منظمة أطباء بلا حدود والعاجزون عن ممارسة أنشطتهم اليومية بسبب اضطرابات النوم أو غيرها من الاضطرابات الحادة إلى المنظمات الأخرى التي تقدم خدمات الرعاية الأوَّلية أو الدعم النفسي في المخيمات. 

ويستطرد بلال بدير حديثه قائلاً: "نعالج جميع الحالات، سواء المعتدلة أو المتفاقمة، فمنظمة أطباء بلا حدود هي منظمة الإغاثة الوحيدة التي تعالج الحالات المتدهورة وتُقدِّم الرعاية النفسية. فنحن دائماً على استعداد لتقديم يد العون للآخرين وتحديد الفئات الأكثر ضعفاً والتعامل معها. نحن هنا لمساعدتهم ومساعدة المحيطين بهم الذين يعانون من صعوبات في التأقلم على الأوضاع الراهنة." كما الحال مع هذا الرجل الذي أصبح في الخمسينيات من عمره والذي يعيش في مخيم الخازر الأول، فقد دُمِّرت جميع متاجره في الموصل، يقول الرجل: "لا أستطيع دخول الخيمة، بكيت. فليأتوا ويقتلونني أنا وجميع أفراد أسرتي. فالوضع أشبه بالسجن وكأنني سجينٌ. استغرقتُ 20 عاماً لبناء منزل وكيان لي، وكله ذهب أدراج الرياح. لم يتبقَّ لي شيء، لا أملك حتى ديناراً واحداً".

وبعد عدة أسابيع، بدأ معظم النازحين في التأقلم على الحياة في المخيمات، في حين يعاني آخرون من استمرار الاضطرابات، ويشعرون أن حياتهم تنتهي ويرغبون في الموت. لذا؛ يلزم التوجه إليهم سريعاً والاهتمام بهم وتقديم الخدمات النفسية لهم. 

قراءة 669 مرات